أبو علي سينا

38

عيون الحكمة

أصغر ، كان الشبح أصغر . والمرئى الحقيقي هو هذا الشبح . فإذن إذا كان الشبح يرد على البصر يجب أن يكون الأبعد شبحه أصغر ، فيرى أصغر . فاذن صغر الزاوية تعيّن في صغر الإبصار حيث يكون قبول الشبح ، لا بملاقاة بالشعاع . ( الفصل الرابع عشر : في الحواسّ الباطنة ) وأما القوى المدركة في الباطن فمنها القوة التي ينبعث منها قوى الحواسّ الظاهرة وتجتمع بتأديتها إليها وتسمى الحسّ المشترك ؛ ولولاها لما كان إذا أحسسنا بلون العسل إبصارا حكمنا بأنه حلو ، وإن لم نحسّ في الوقت حلاوته . وذلك لأن القوة واحدة واجتمع فيها ما أدّاه حسّان من حلاوة ولون في شئ واحد - فلما ورد عليه أحدهما كان الثاني ورد معه . ولولا أن فينا شيئا اجتمع [ 14 ا ] فيه صورة الحلاوة والصفرة لما كان لنا أن نحكم أن الحلاوة غير الصفرة ، ولا أن نحكم أن هذا الأصفر هو حلو . وهذا الحس المشترك تقرن به قوة تحفظ ما تؤديه الحواسّ إليه من صور المحسوسات ، حتى إذا غابت عن الحس بقيت فيه بعد غيبها . وهذا يسمى الخيال والمصوّرة وعضوهما مقدّم الدماغ . وهاهنا قوة أخرى في الباطن تدرك في الأمور المحسوسة ما لا يدركه الحسّ . مثل القوة في الشاة التي تدرك من الذئب ما لا يدركه الحسّ ولا يؤدّيه الحسّ - فإن الحسّ لا يؤدى إلا الشكل واللون ؛ فأما أن هذا ضارّ أو عدوّ ومنفور عنه فتدركه قوة أخرى وتسمّى وهما . وكما أن للحسّ خزانة هي المصوّرة ، كذلك للوهم خزانة تسمّى الحافظة والمتذكرة . وعضو هذه الخزانة مؤخّر الدماغ . وهاهنا قوة تفعل في الخيالات تركيبا وتفصيلا تجمع بين بعضها وبعض وتفرّق